الثلاثاء, 05 أيلول/سبتمبر 2017 16:26

التراث الثقافي الأردني: القيم العلمية والعملية والاقتصادية والرمزية......./ ـــ أ.د عبدالحكيم خالد الحسبان .../ استاذ الانثربولوجيا في جامعة اليرموك والخبير في سياسات التراث الثقافي الأردني. خبر ساخن

قيم الخبر
(0 اصوات)

الموقف نيوز / اكد الأستاذ الدكتور عبد الحكيم الحسبان استاذ الانثربولوجيا في جامعة اليرموك، والخبير في سياسات التراث الثقافي الأردني، أن الفوائد الاقتصادية التي يجنيها الاردن من كنوزه الاثرية والتراثية ما تزال محدودة وضئيلة ولا يمكن مقارنتها بحجم الفرص الاقتصادية الكامنة في هذه الكنوز الاثرية والتراثية.
وشدد الدكتور الحسبان في مقالة بحثية خص بها" الموقف نيوز" على انه لو احسن الافادة من الكنوز الاثرية والتراثية الأردنية، فانها يمكن ان تخلق تنمية اقتصادية حقيقية.
وفيما يلي نص المقالة:
يمتلك الاردن تراثا ثقافيا يتسم بالغنى والتنوع الشديدين. وتكاد تجمع الدراسات على وجود اكثر من مئة الف موقع أثري في الاردن تعود لفترات تاريخية مختلفة وتمثل حضارات متعددة متعاقبة تركت جزء من موروثها على الارض الاردنية الحالية. وبالاضافة الى عشرات الاف المواقع الاثرية على الارض الاردنية فان التراث الثقافي الاردني بمكونه المادي الملموس وبمكونه غير المادي وغير الملموس يشكل أيضا قيمة مضافة تجعل من التراث الثقافي الاردني بمثابة كنز حقيقي يميزه عن الكثير من مناطق العالم التي تفتقر لهذا التنوع الثقافي ولهذا العمق التاريخي.
— وفي حين يمكن للمتابع ان يلمس احساسا عاما لدى الاردنيين نخبا وعامة باهمية التراث الثقافي لبلادهم، وفي حين يمكن ملاحظة انتشار الممارسات الخطابية حول التراث الثقافي الاردني، الا انه يمكن القول أنه ورغم الكثير من الصخب والجلبة والضوضاء حول التراث الاثري والثقافي في الاردن فان النقاش ما زال قاصرا عن بلورة خطاب علمي حداثي يتناول مسالة التراث الثقافي. وعليه فان النقاش السائد في الاردن حول التراث يتخذ في الغالب شكل الخطاب العاطفي الذي يتناول التراث الثقافي مركزا على قيمتة العاطفية والرمزية في معظم الاحيان وعاجزا في الان ذاته عن تناول ظاهرة التراث الثقافي بصورة شمولية.
— ويمكن للمتابع أيضا ان يسجل ملاحظة اضافية تتعلق بالخطاب الاردني حول التراث الثقافي. وهي تتلخص في ان النقاش حول التراث الثقافي الاردني ينطلق في كثير من الاحيان ليشبع خطابا اجتماعيا يسعى الى اظهار عناصر التفوق والتميز الحضاريين مستخدما تراث الاردن واثاره شاهدا على هذه التفوق والتميز لسكان هذه الارض. وهو ما يجعل النقاش حول التراث الثقافي الاردني أشبه بخطاب حول الانا المتفوقة والمختلفة والمتميزة عن الاخر. وفي كل الاحوال فانه يمكن القول وبعقل علمي بارد أن النقاش حول التراث الثقافي في الاردن والذي يتسم بالغنى الشديد ما زال بعيدا عن العلمية وعن النقاش الموضوعي.
— بداية وقبل الولوج في تناول ظاهرة التراث الثقافي الاردني لا بد من محاولة صياغة تعريف علمي عام لما يتضمنه مفهوم التراث الثقافي الذي بدا في الانتشار والتوسع في العقود الاخيرة. يشير مفهوم الارث والتراث لغويا الى معنى الانتقال والتداول من جيل سابق الى جيل لاحق، كما يتضمن معنى تمرير بعض ما ينتجه السلف ليكون بين يدي الخلف، وعليه فان معنى التراث لغويا يشير الى علاقة بين الماضي تشتمل على تمرير ما هو ذو قيمة من جيل قديم مضى الى الأجيال الجديدة القادمة. أما على مستوى المعنى الاصطلاحي، فان مفهوم التراث الثقافي يشير الى مجموع العناصر المادية كالعمارة والأدوات والمنتجات الحرفية وادوات الزينة والزخرفة والى مجموع العناصر غير المادية كالمعتقدات والطقوس والموسيقى والتشريعات والحكايا ومجموع المهارات والمعارف التي يتم تناقلها من جيل الى جيل والتي تحظى بنوع من الاحترام الاجتماعي وبنوع من الإجماع العام على قيمتها الرمزية والمعنوية للجماعة. وفي هذا السياق فانه لا بد من الاشارة الى ان تحول عنصر ما في حياة الجماعة الى عنصر ثقافي تعرفه الجماعة على انه تراث ثقافي، إن هو إلا نتاج عملية معقدة من التفاعلات والتصورات والتمثلات حول الماضي، كما انه نتاج لسلسلة من الصراعات الاجتماعية والطبقية، وهو أيضا نتاج للتفاعلات والاحتكاكات الدائمة بين العناصر المكونة لشبكات السلطة الاجتماعية والثقافية والسياسية والدينية.
—
— كيف نستفيد من تراثنا الثقافي الاردني: القيم العلمية والاقتصادية والثقافية.
— تنبع أهمية التراث الثقافي في الاردن كما في اي مكان اخر على هذه البسيطة من عدة اعتبارات بعضها علمي وبعضها اجتماعي وبعضها الاخر ثقافي دون اغفال الاعتبارات الاقتصادية والتنموية. ويمكن القول ودون أي افتئات على الحقيقة أن التراث الثقافي لأي أمة يمكن إن أحسن استخدامه وتوظيفه أن يكون بمثابة مصانع كبرى لانتاج الثروة بمعناها الاقتصادي والتنموي بنفس القدر الذي تمثل فيه مصانع كبرى لانتاج الرموز الثقافية والروحية التي تحتاجها أي أمة في عملية بنائها ونهوضها. وعليه فان أهمية التراث الثقافي الاردني تكمن في أنه يمثل تلك القوة الهائلة غير المستغلة بعد التي يمكنها ان تكون بمثابة محركات ضخمة لانتاج الثروة وفرص العمل بنفس القدر الذي يمثل فيه تلك القوة الهائلة الكامنة القادرة على انتاج الرموز والصور والتمثلات الخاصة بالهوية الثقافية الاردنية.
— الاهمية العلمية للتراث الثقافي الاردني:
— تشكل المواقع الاثرية والتراثية الاردنية مادة غنية وخصبة تمثل ماضي الانسان في هذه المنطقة بل وفي العالم، ويمكن للباحث العلمي أن يستفيد كثيرا من اللقى الاثرية والتراثية بالنظر الى كم البيانات والمعطيات التي تقدمها المادة الاثرية والتراثية عن ماضي الانسان في هذه المنطقة من العالم مما يتيح للعلماء الوصول الى فهم افضل لتاريخ المنطقة والعالم، كما يتيح لهم فهم الكثير من المشكلات التي سبق ان عاشتها المنطقة في الماضي والتي يمكن ان تتكرر في الحاضر او المستقبل، وهو ما يساعد العلماء في تطوير استراتيجيات وقائية مستقبلية كانت دراسة الماضي هي السبب في الوصول اليها.
— وبهذا المعنى فان التراث الثقافي الاردني يشكل مصدرا خصبا للمعلومات والبيانات حول تاريخ البشرية في هذه المنطقة بل وفي العالم الاجماع والتي يحتاجها العلماء من مختلف التخصصات الطبيعية والانسانية. ولعل الدليل الابلغ على القيمة العلمية للتراث الثقافي الاردني هو حجم البعثات العلمية الاجنبية التي دأبت على دراسة التراث الثقافي الاردني وحجم تلك الفرق الاجنبية التي ما زالت تحلم بالوصول الى التراث الثقافي الاردني ودراسته.
— القيم العملية للتراث الثقافي:
— في حين يشكل التراث الثقافي للامة الفرنسية او الايطالية مصدرا هاما في اشتقاق حلول عملية لبعض المشكلات البيئية او المعمارية او الطبية حيث توفر المعرفة التي توصل اليها الاسلاف كثيرا من الاجابات الناجعة على كثير من التحديات البيئية والايكولوجية والطبية، فان التراث الثقافي الاردني ما زال معينا لم يتم استنفاذ امكانياته على صعيد اشتقاق التطبيقات العملية لكثير من المشاكل المناخية او الايكولوجية او الطبية التي يعاني منها سكان هذه البلاد. كما يمكن للكنوز الاثرية والتراثية ان تكون مصدر الهام لمختلف الشرائح الاجتماعية والمهنية في انتاج تطبيقات عملية للكنوز الاثرية والتراثية في الاستخدامات اليومية للناس من عمارة واثاث وطرق صناعة الطعام وطرائق صناعة اللباس ....الخ.
— وبكلمات أخرى، فانه يمكن للتراث الثقافي لاي أمة أن يكون مصدرا لكثير من التطبيقات في مجال العمارة وفي مجال الحصاد المائي وفي مجال توفير العلاج والطبابة لكثير من الامراض. أن التراث الثقافي لاي أمة يمكن أن يتحول الى تطبيقات عملية تساعد الانسان على انتاج طعامه وتوفير علاجة وصناعة اثاثه. وبهذا المعنى فان التراث الثقافي الاردني الذي يعد من بين الاكثر غنى وثراء على صعيد البشرية لم يتم استنفاذ امكانياته التطبيقية أو العملية بعد.
— القيم الاقتصادية والتنموية:
— يوفر التراث الثقافي لاي امة رافدا اقتصاديا وتنمويا هاما. إذ يتيح التراث الثقافي امكانيات هائلة على صعيد تطوير منتج سياحي اكثر جاذبية. ويمكن القول ان التراث الثقافي يمكن إن احسن استخدامه أن يكون بمثابة مصنع عملاق لانتاج الثروة والفرص التنموية. وبالرغم من الامكانيات الاردنية على صعيد التراث الثقافي إل أن الفوائد الاقتصادية التي يجنيها الاردن من كنوزه الاثرية والتراثية ما تزال محدودة وضئيلة ولا يمكن مقارنتها بحجم الفرص الاقتصادية الكامنة في هذه الكنوز الاثرية والتراثية والتي ان احسن الافادة منها، فانها يمكن ان تخلق تنمية اقتصادية حقيقية.
— لا يمكن مقارنة ما تملكه دوله كفرنسا او ايطاليا من مصادر تراثية واثرية بما يملكه الاردن من هذه المصادر, ومع ذلك فان الارقام تتحدث عن 83 مليون سائح استضافتهم فرنسا، رفدوا الميزانية الفرنسية باكثر من خمسين مليارا من الدولارات، في حين لم يتجاوز عدد السياح في الاردن الباحثين عن الاستمتاع بالكنوز الاثرية والتراثية في احسن الظروف الاربعة ملايين سائح. ولم تتجاوز عائدات الاردن من السياحة الاثرية والتراثية اكثر من مليارين من الدولارات بالرغم من أهمية الكنوز الاثرية والتراثية الاردنية.
—
— القيم الرمزية والروحية للتراث الثقافي الاردني:
— بعيدا عن معايير المال والاقتصاد في قياس اهمية القطع الاثرية والتراثية، يمكن الحديث عن قيم معنوية وروحية ورمزية هائلة ترتبط بالقطع الاثرية والتراثية. فالاثار والتراث هما محركات هامة في عمليات صناعة الهوية لكل شعب. كما أن الاثار والتراث في الاردن يمكن لهما ان يساهما في صناعة هوية جامعة تجمع الاردنيين من خلال اعتبار الاثار والتراث الاردنيين كعامل توحيد للاردنيين مقابل عوامل الانقسام والتجزئة من قبيل العشائرية والمناطقية والاقليمية التي تعمل على خلق حالة من الانقسام والتفتت على صعيد الهوية الوطنية الاردنية.
ويمكن القول أن العجز لدى صانع القرار الاردني عن تحويل هذا التراث الثقافي الغني جدا إلى محركات تنموية بالمعنى الاقتصادي والى محركات رمزية وروحية بالمعنى الثقافي يعود بشكل أساسي إلى نمط العلاقة التي تمت صناعتها وحياكتها بين الاردنيين وبين تراثهم على مدى العقود الماضية. ويمكن تلخيص العلاقة بين الاردنيين وتراثهم الثقافي بانها علاقة تقوم على القطع والانفصال أكثر منها علاقة تقوم على الاتصال والارتباط والاستمرارية.
" تمت صياغة هذه المقالة ضمن مشروع "مكافحة الاتجار بالاثار وتهريبها" الممول من قبل الوكالة الامريكية للتنمية يو أس أيد."
— أ.د عبدالحكيم خالد الحسبان
— استاذ الانثربولوجيا في جامعة اليرموك والخبير في سياسات التراث الثقافي الأردني

 

 

رحالة

اترك تعليقك

جميع الحقول التي امامها (*) مطلوبة.

Please publish modules in offcanvas position.